الغزالي

444

إحياء علوم الدين

وكوشف بعض الأولياء رضي الله عنهم ، قال : إني رأيت الثغور كلها تسجد لعبادان ، ورأيت عبادان ساجدة لجدة . ويقال لا تغرب الشمس من يوم إلا ويطوف بهذا البيت رجل من الأبدال ، ولا يطلع الفجر من ليلة إلا طاف به واحد من الأوتاد ، وإذا انقطع ذلك كان سبب رفعه من الأرض فيصبح الناس وقد رفعت الكعبة لا يرى الناس لها أثرا وهذا إذا أتى عليها سبع سنين لم يحجها أحد ، ثم يرفع القرآن من المصاحف فيصبح الناس فإذا الورق أبيض يلوح ليس فيه حرف ، ثم ينسخ القرآن من القلوب فلا يذكر منه كلمة ، ثم يرجع الناس إلى الأشعار والأغانى وأخبار الجاهلية ، ثم يخرج الدجان وينزل عيسى عليه السلام فيقتله ، والساعة عند ذلك بمنزلة الحامل المقرب التي تتوقع ولادتها . وفي الخبر [ 1 ] « استكثروا من الطَّواف بهذا البيت قبل أن يرفع فقد هدم مرّتين ويرفع في الثّالثة » وروى عن علي رضي الله عنه عن النبي صلَّى الله عليه وسلم أنه قال قال الله تعالى : [ 2 ] « إذا أردت أن أخرّب الدّنيا بدأت ببيتي فخرّبته ثمّ أخرّب الدّنيا على أثره » فضيلة المقام بمكة حرمها الله تعالى وكراهيته كره الخائفون المحتاطون من العلماء المقام بمكة لمعان ثلاثة : الأوّل : خوف التبرم والانس بالبيت ، فإن ذلك ربما يؤثر في تسكين حرقة القلب في الاحترام ، وهكذا كان عمر رضي الله عنه يضرب الحجاج إذا حجوا ويقول : يا أهل اليمين يمنكم ، ويا أهل الشام شامكم ، ويا أهل العراق عراقكم ولذلك هم عمر رضي الله عنه بمنع الناس من كثرة الطواف وقال خشيت أن يأنس الناس بهذا البيت الثاني : تهييج الشوق بالمفارقة لتنبعث داعية العود ، فإن الله تعالى جعل البيت مثابة للناس وأمنا أي يثوبون ويعودون إليه مرة بعد أخرى ولا يقضون منه وطرا . وقال بعضهم : تكون في بلد وقلبك مشتاق إلى مكة متعلق بهذا البيت خير لك من أن تكون فيه وأنت متبرم بالمقام وقلبك في بلد آخر . وقال بعض السلف : كم من رجل بخراسان وهو أقرب إلى هذا البيت ممن يطوف به . ويقال إن لله تعالى عبادا تطوف بهم الكعبة تقربا إلى الله عز وجل